ابن عجيبة

107

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : واذكروا يا بني إسرائيل حين قالَ موسى لِقَوْمِهِ لما رجع من الطور ، ووجدهم قد عبدوا العجل : يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وبخستموها بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ إلاهكم ، فَتُوبُوا إِلى خالقكم الذي صوركم في أحسن تقويم ، فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بهدم هذه البنية التي ركبتها في أحسن صورة ، فبخستموها ، ولم تعرفوا قدرها ، فعبدتم أبلد الحيوان ، الذي هو البقرة . من لم يعرف حق النعمة فحقيق أن تسترد منه . فذلكم القتل والمبادرة إلى التوبة خَيْرٌ لَكُمْ عند خالقكم ، لأنه يفضى إلى الحياة الدائمة والبهجة السرمدية ، فلما صعب عليكم القتل ؛ للشفقة على الأخ أو القريب ، ألقينا عليكم ضبابة حتى أظلم المكان ، فاقتتلتم من الغداة إلى العشى ، فدعا موسى وهارون - عليهما السلام - بالكشف عنهم ، فرفعت السحابة ، وقد قتل سبعون ألفا ، ففعلتم ذلك القتل ، فتاب الحق تعالى عليكم ، فقبل توبة من بقي منكم ، وعفا عمن مات ؛ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ أي : كثير التوفيق للتوبة ، أو كثير قبولها ، الرحيم بعباده المؤمنين . الإشارة : ما قاله سيدنا موسى عليه السّلام لقومه ، يقال مثله لمن عبد هواه ، وعكف على متابعة دنياه : يا من بخس نفسه بإرخاء العنان في متابعة هواها ، حتى حرمها من مشاهدة جمال مولاها ، تب إلى ربك ، وانتبه من غفلتك ، واقتل نفسك بمخالفة هواها ، فلعلها تحيا بمشاهدة مولاها ، فما دامت النفس موجودة ، وحظوظها لديها مشهودة ، وآمالها ممدودة ، كيف تطمع أن تدخل حضرة اللّه ، وتتمتع بشهود جماله وسناه ؟ ! إن ترد وصلنا فموتك شرط * لا ينال الوصال من فيه فضله « 1 » وقال الحلاج في هذا المعنى : لم أسلم النفس للأسقام تتلفها * إلّا لعلمي بأنّ الوصل يحييها وقال أيضا : اقتلوني يا ثقاتى * إنّ في قتلى حياتي وحياتي في مماتي * ومماتي في حياتي أنا عندي : محو ذاتي * من أجلّ المكرمات وبقائى في صفاتى * من قبيح السيّئات

--> ( 1 ) البيت للششترى .